عبد الملك الجويني
519
نهاية المطلب في دراية المذهب
بيت المال مال ، فهؤلاء محالون عليه ، والدليل عليه أن من اضطر وانتهى إلى خوف الهلاك ، فله أن يأخذ مال غيره ، ولو جاع ، لم يكن له ذلك . ولو خلا بيت المال عن المال ، ففي هذا نظر كلي إيالي ( 1 ) ، استجمعت أطرافاً منه في ( الغياثي ) . وإنما نبهت على هذا المقدار لمسيس الحاجة إليه . فنقول : إن كان غيبة المرء عن المريض تؤدي إلى هلاكه ، فلا شك أنه يترك الجمعة ، ويقوم عليه سواء كان أجنبياً ، أو كان بينه وبينه قرابةٌ ، أو سبب ، مما سبق ذكره . ولو قيل : ليس القائم عليه بأولى في كفاية ذلك من غيره ، فليحضر الجامع ، وليكل أمرَه إلى آخر . قلنا : هذا يتوجه إذن في حق كل من يقوم عليه ، وفيه ما يؤدي إلى ضياعه ، فإذاً يجوز أن يبتدره من يوفَّق لذلك ، ويترك الجمعة . وإن لم يكن المريض بحيث يخاف عليه لو ترك ، ولكن كان يناله ضرر ظاهر في ذلك ، على حد الجوع المضرّ الذي [ لا ] ( 2 ) يبلغ مبلغ الضرورة كما تقدم وصفه ، فهل يجوز لمن يريد القيام على المريض أن يترك الجمعة أوْ لا ؟ نقول : إن كان يقوم على المريض من يكفيه ، ممن لا يلزمه الجمعة مثلاً ، فلا يجوز للكامل ( 3 ) أن يترك الجمعة بسبب القيام عليه ؛ لمكان اشتغال قلبه بالغيبة عنه ، بخلاف المنزول به القريب . وإن لم يكن للمريض من يقوم عليه ، وكان يناله ضرر لا يبلغ كفايتُه مبلغ فروض الكفايات ، ففي جواز القيام عليه ، وترك الجمعة بسبب دفع الضرر عنه أوجه ، جمعتُها من شرح التلخيص وغيره ، أحدها - وهو الأفقه أن يترك الجمعة ؛ فإنا لا نشترط في العذر الذي تترك الجمعة لأجله الضرورةَ ، وشدةَ الحاجة ، ودرءُ ضرر ظاهر عن مسلم ليس بالهين ، وإن لم يكن من فروض الكفايات . وهذا القائل لا يفرق بين القريب والأجنبي ، وهو اختيار الصيدلاني . والوجه الثاني - أنه لا يجوز ترك الجمعة لهذا ؛ فإن هذا كثير ، ولو تركت الجمعة
--> ( 1 ) إيالي : أي سياسي ، والإيالة هي السياسة الشرعية . ( 2 ) مزيدة من : ( ت 1 ) . ( 3 ) الكامل : أي من تجب عليه الجمعة ، وتكتمل فيه صفات الوجوب .